السيد كمال الحيدري
119
تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)
السماء مطلقاً ؛ لأنّ كلّ ذلك وأمثاله قابل للإنفاد والانتهاء ، فلم يبق إلّا الكلمات الآفاقية المسمّاة بالموجودات والممكنات الغير القابلة للانتهاء والنفاد ، وهذا ظاهرٌ جليّ » « 1 » . ويتوسّع الآملي هنا في تأويل قوله تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وَفِي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّهُ الْحَقُّ « 2 » ليؤكّد منطق المماثلة والتطابق السالف ، فيقول : « إنّ العالم كتابٌ مشتملٌ على الحروف والآيات كالكتاب القرآني ، إذ إنّ الآيات صورة جامعة وهيئة كاملة مركّبة من الكلمات والحروف ، والحروف والكلمات والآيات لا تتصوّر إلّا ضمن الكتاب ، فعلى هذا التقدير يكون الآفاق المسمّى بالعالم ، كتاباً كبيراً إلهيّاً ومصحفاً جامعاً ربّانيّاً » . وإذا كان العالم بما احتوى عليه كتابٌ كبير ، فإنّ كلّ جزئي فيه أو كلّي أيضاً كتابٌ يشتمل بنفسه على آياته وكلماته وحروفه . فيقول : « إنّ العوالم كلّها ، كلّيها وجزئيّها كُتبٌ إلهيّةٌ وصحفٌ ربّانية ، لإحاطتها بكلماتها التامّات وآياتها الزهرات . أمّا العقل الأوّل والنفس الكلّية اللّتان هما صورتا أُمّ الكتاب إجمالًا وتفصيلًا ، ومظهر الحضرة العلمية ، فهما كتابان إلهيّان مشتملان على كلّيات العالم وجزئيّاته . وقد يُقال للعقل الأوّل أُمّ الكتاب ؛ لإحاطته بالأشياء إجمالًا ، وللنفس الكلّية الكتاب المبين لظهورها فيها تفصيلًا ، وإلى الأوّل أشار الحقّ تعالى بقوله : يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ « 3 » ، وإلى
--> ( 1 ) تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم : ج 1 ص 212 . ( 2 ) فصّلت : 53 . ( 3 ) الرعد : 39 .